عبد الملك الجويني

114

الشامل في أصول الدين

بعد أن لم يكن ، فكان . قيل : كان نفسه بعد نفسه ، وهذا من التناقض البين . ثم إنه سلك قريبا من هذا المسلك في التعرض لسائر العبارات خلا العبارة التي ارتضاها شيخنا . فقال : قول القائل ما لم يكن ثم كان ، ينبئ عن ترتيب ، وقد سبق بطلان إرادة الترتيب . وزعم أيضا أن قول القائل : الحادث ما لوجوده أول متناقض ، فإن أول الحادث عند الإسلاميين نفسه ، ويستحيل أن يكون الشيء أول نفسه . وإن أثبت مثبت للحادث أولا هو غيره ، فيلزم أن يكون ذلك الأول حادثا وله أول ، ثم يلزم منه إثبات حوادث لا نهاية لها ، وهو بغية معظم الدهرية . وسبيل الكلام على ما ذكره أن نقول اعتراضات تنقسم في أنفسها ، وتتنوع مواقعها ، فربما كان الغرض بها الاعتراض على المعاني التي تدل عليها العبارات ، وربما كان الغرض منها المناقشة في العبارات مع الاتفاق في المعنى . وموقع الاعتراضات غير هذين ، وكل من وقف موقف المعترض ، ولم يتعلق كلامه بلفظ ولا معنى ، كان حائدا عن مقصد الاعتراض . فإذا وضح ذلك رتبنا عليه مقصدنا ، وقلنا : إن كان السائل يطلب جحد معنى الحدوث ، فتسقط مكالمته . إذ معنى الحدوث والوجود المفتتح ، معلوم ضرورة وبديهة والمناكر فيه مراغم متعسف ، وإن قصد السائل التعرض للقدح في العبارة ، كان المرجع في تصحيحها إلى أرباب اللغة وأصحاب اللسان . ونحن نعلم أن العبارات التي قدمناها لو عرضت على أهل اللسان ، لانتدبوا إلى فهم معناها ومقتضاها على حسب ما أوردناها ، ولما عدّوها من شواذ الكلام وشوارده ، فإذا صحت المعاني واستقامت العبارات عند أهلها ، لم يبق للاعتراضات منجع . على أن ما ذكره من أن الترتيب يتضمن إثبات شيئين ، ساقط . فإن أقصى ما ينبئ عنه الترتيب ، تعقيب معلوم بمعلوم ، والعدم معلوم ، كما أن الحدوث معلوم فقد ترتب من هذا الوجه معلوم على معلوم . فأما اشتراط كون المعلومين ذاتين شيئين فمما لا تقتضيه اللغات ، وشارطه متحكم على أهل اللغات والمعاني . ثم سلك أئمتنا مع السائل مسلكنا على طرد سؤاله بضده عن نظم كلمتين ، وتأليف كلامين ، سؤالا وانفصالا . فإن هذا المنهج ، لو تشبث به متشبث ، لانحسم به أبواب الجواز ، وضاقت به مذاهب الكلام . وإيضاح ذلك أنا نقول للسائل إن قال هذا الحد غير صحيح : قولك هذا من أسماء الإشارة ، فآلام تشير ؟ وقولك غير صحيح ينبئ عن إثبات غيرين ، والصحيح يدل على متركب على وجه مخصوص ، فلا ينطق بشيء إلا تتوجه عليه